القاضي التنوخي
131
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
فقال : أتدري لم استدعيتك ؟ قلت : لا . قال : أنت رجل عربيّ ، ومن المحال إذا استودعتك أمانة أن تخفرها . قلت : هو كذلك . فقال : إنّي فكرت ، فإذا لا طائل في قتلك ، وفي نفسي رسالة إلى المعتضد « 1 » ، لا يجوز أن يؤدّيها غيرك ، فرأيت إطلاقك ، وتحميلك إيّاها ، إن حلفت أنّك إذا سيّرتك إليه ، تؤدّيها . فحلفت له . فقال : قل للمعتضد ، يا هذا ، لم تخرق هيبتك ، وتقتل رجالك ، وتطمع أعداءك في نفسك ، وتبعث في طلبي الجيوش ، وأنا رجل مقيم في فلاة ، لا زرع فيها ولا ضرع ، وقد رضيت لنفسي بخشونة العيش ، والعزّ بأطراف هذه الرماح ، وما اغتصبتك بلدا ، ولا أزلت سلطانك عن عملك ، ومع هذا ، فو اللَّه ، لو أنفذت إليّ جيشك كلَّه ، ما جاز أن يظفر بي ، لأنّي رجل نشأت في العسف « 2 » فاعتدته ، أنا ورجالي ، لا مشقة علينا فيه ، وأنت تنفذ جيوشك من الخيوش « 3 » والثلج والريحان « 4 » ، فيجيئون من المسافة البعيدة الشاقّة ، وقد قتلهم السفر قبل قتالنا ، وإنّما غرضهم أن يبلغوا غرضا من مواقفتنا ساعة ، ثم يهربون ، وإن هم هزموني ، بعدت عشرين فرسخا ، أو ثلاثين ، وجلت في الصحراء شهرا أو شهرين ، ثم كبستهم على غرّة ، فقتلتهم ، وإن كانوا محترسين ، فما يمكنهم أن يطوفوا خلفي في الصحاري ،
--> « 1 » ( 1 ) المعتضد : أبو العباس أحمد : ترجمته في حاشية القصة 1 / 73 من النشوار . « 2 » ( 2 ) العسف : مجاهل الصحارى والبوادي . « 3 » ( 3 ) الخيوش : مفردها خيش ، راجع حاشية القصة 1 / 162 من النشوار . « 4 » ( 4 ) الخيش والثلج والريحان : يعني بذلك حياة الترف والنعومة .